أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
246
شرح مقامات الحريري
أسرى لخالدة الخيال ولا أرى * شيئا ألذّ من الخيال الطارق « 1 » إن البليّة من تملّ حديثه * فاتبع حديثك من حديث الوامق أهواك فوق هوى النّفس ولم يزل * مذ بنت قلبي كالجناح الخافق شوقا إليك ولم تجار مودتي * ليس المكذّب كالحبيب الصادق وقال إبراهيم الموصلي لابن جامع : لو هذا طلب الغناء كما نطلبه ، ما أكلنا معه الخبز ، فقال ابن جامع : صدقت . ومما ينتظم في هذا النمط ويغنّى به قول الآخر : [ البسيط ] قال الوشاة لهند عن تصارمنا * ولست أنسى هوى هند وتنساني قد قلت حين بدا لي بخل سيدتي * وقد تتبع في بثي وأحزاني هل تعلمين وراء الحب منزلة * تدني إليك فإنّ الحب أقصاني والحريري لم يتعرض بشعره في هذا ، لأنه بنى البيت في المسألة ، لكن فيما ذكرناه زيادة بيان ، وأنه يجب أن يختار المغني ، ما يتلقّى للغناء من كل جهاته بالاستحسان . قوله : العابث بالمثاني ، أي اللاعب بأوتار عود الغناء . ومما يستحسن في وصف العود قول ابن القاضي : [ البسيط ] جاءت بعود تناغيه ويسعدها * فانظر بدائع ما خصّت به الشجر غنّت على عودها الأطيار مفصحة * غضا فلمّا ذوى غنّى به البشر فلا يزل عليه أو به طرب * يهيجه الأعجمان : الطير والوتر وقال ابن شرف : [ الطويل ] سقى اللّه أرضا أنبتت عودك الذي * زكت منه أغصان وطابت مغارس تغنّى عليه الطير والعود أخضر * وغنى عليه الغيد والعود يابس ومما قيل في ذم مغنّ : [ الكامل ] لو أبصرت عيناك بشرا جالسا * والعود في يده يبثّ وساوسا لرأيت منه فتى تحبّ بأن ترى * في الرأس منه مشاورا وطنافسا فإذا تربّع - لا تربع بعدها - * وبدا يحرّك عوده متنافسا فكأنّ جرذان المدينة كلها * في عوده يقرضن خبزا يابسا
--> ( 1 ) الأبيات في ديوان جرير ص 389 ، والبيت الثاني لجابر في لسان العرب ( ومق ) .